شهدت العاصمة الكينية نيروبي انطلاق قمة “أفريكا فوروارد 2026” بحضور عشرات القادة الأفارقة وممثلي الحكومات ورجال الأعمال والمستثمرين، في حدث تسعى من خلاله فرنسا إلى إعادة صياغة علاقتها الاقتصادية والسياسية مع القارة الإفريقية. وقد تصدّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المشهد عبر تصريحات لافتة أكد فيها أن إفريقيا “لم تعد بحاجة إلى مساعدات”، بل إلى “استثمارات حقيقية وشراكات متوازنة” تعزز سيادتها الاقتصادية والتكنولوجية.
ماكرون: إفريقيا ليست قارة تحتاج إلى الوصاية
وخلال مشاركته في جلسة "صناع المستقبل في أفريكا فوروارد" التي احتضنتها جامعة نايروبي إلى جانب الرئيس الكيني وليام ريتو، خاطب ماكرون مجموعة من رواد الأعمال والمبتكرين الأفارقة، مؤكداً أن الوقت قد حان لإنهاء النموذج التقليدي للعلاقات بين أوروبا وإفريقيا.
وقال الرئيس الفرنسي إن القمم السابقة كانت تقوم غالباً على منطق “إملاء الحلول” من الجانب الأوروبي، حيث كان القادة الأوروبيون يأتون إلى إفريقيا ليخبروا الأفارقة بما يجب عليهم فعله، مضيفاً أن هذا النموذج “لم يعد مقبولاً ولا يتماشى مع تطلعات الشعوب الإفريقية”.
وأكد ماكرون أن إفريقيا أصبحت قوة اقتصادية وديموغرافية صاعدة، مشيراً إلى أنها القارة الأكثر شباباً والأسرع نمواً في العالم، وهو ما يجعلها شريكاً استراتيجياً لا يمكن تجاهله. وأضاف أن أوروبا وإفريقيا تواجهان تحديات مشتركة تتعلق بالسيادة الاقتصادية والتكنولوجية، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة والبنية التحتية.
دعوة لبناء استقلال تكنولوجي إفريقي أوروبي
وفي سياق حديثه عن التكنولوجيا، شدد الرئيس الفرنسي على أن العالم اليوم أصبح خاضعاً بدرجة كبيرة للهيمنة التكنولوجية الأمريكية والصينية، موضحاً أن إفريقيا وأوروبا مطالبتان ببناء استقلالهما الاستراتيجي المشترك.
وأشار إلى أن القارة الإفريقية بحاجة إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرقمية والطاقة المتجددة والكهرباء، مؤكداً أن أي تحول اقتصادي أو صناعي لا يمكن أن يتحقق من دون توفير الطاقة بشكل مستدام.
كما أعلن ماكرون أن شركة أورانج تعتزم إطلاق 50 مركزاً رقمياً في إفريقيا بهدف تكوين مليون شاب إفريقي بحلول عام 2030، في خطوة تهدف إلى دعم المهارات الرقمية والحد من هجرة الكفاءات الإفريقية نحو الخارج.
حضور إفريقي واسع واتفاقيات بمليارات اليوروهات
قمة “أفريكا فوروارد 2026” عرفت مشاركة واسعة تجاوزت 6000 مشارك من نحو 40 دولة، إلى جانب حضور 35 رئيس دولة وحكومة إفريقية، وفق ما أعلنته السلطات الفرنسية.
كما شهد المنتدى الاقتصادي المصاحب للقمة توقيع أكثر من 100 اتفاقية استثمارية وتنظيم أكثر من 700 لقاء أعمال بين الشركات والمؤسسات الإفريقية والفرنسية، في مؤشر على رغبة باريس في تعزيز حضورها الاقتصادي داخل القارة عبر آليات جديدة تقوم على الاستثمار بدلاً من المساعدات التقليدية.
استثمارات بقيمة 23 مليار يورو
ومن أبرز مخرجات القمة إعلان استثمارات جديدة بقيمة إجمالية بلغت 23 مليار يورو، من بينها 14 مليار يورو مخصصة مباشرة للاستثمارات الفرنسية في إفريقيا.
وتركز هذه الاستثمارات على قطاعات استراتيجية تشمل:
- الطاقة والتحول الطاقوي
- الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي
- الزراعة والأمن الغذائي
- النقل والخدمات اللوجستية
- الصحة
- الصناعة
- التمويل والخدمات البنكية
وتستحوذ مشاريع الطاقة المتجددة على النصيب الأكبر من هذه الاستثمارات بأكثر من 4.3 مليارات يورو، في حين خُصص نحو 3.76 مليارات يورو لقطاع الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.
أما قطاع النقل والبنية التحتية البحرية واللوجستية فقد استفاد من استثمارات تُقدّر بـ3.3 مليارات يورو، بينما حصل القطاع الصحي على حوالي 942 مليون يورو.
ويرى مراقبون أن هذه الأرقام تعكس رغبة فرنسية واضحة في إعادة التموضع داخل إفريقيا في ظل المنافسة المتزايدة مع الصين وتركيا وروسيا ودول الخليج.
"لسنا ضد شعوب الساحل"
وفي مؤتمر صحفي عقده في نيروبي، تطرق ماكرون إلى انسحاب القوات الفرنسية من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وهي الملفات التي أثارت توتراً كبيراً بين باريس وبعض الأنظمة العسكرية في منطقة الساحل.
وأكد الرئيس الفرنسي أن الخلاف مع بعض الحكومات لا يعني العداء للشعوب الإفريقية، قائلاً إن فرنسا “ليست في خلاف مع شعوب مالي أو النيجر أو بوركينا فاسو”، وإنها تواصل دعم المجتمع المدني والفنانين ورواد الأعمال القادمين من هذه الدول.
كما أشار إلى أن باريس أعادت التفكير بالكامل في علاقتها الأمنية مع إفريقيا، معتبراً أن المرحلة الجديدة تقوم على “شراكات أقل ظهوراً وأكثر توازناً”.
ماكرون: "لسنا قوة استعمارية جديدة"
وفي واحدة من أبرز تصريحاته خلال القمة، قال ماكرون إنه لا يريد أن تنظر فرنسا إلى إفريقيا باعتبارها “حديقة خلفية” أو “مجال نفوذ تقليدي”، مؤكداً أن زمن الامتيازات المضمونة للشركات الفرنسية في إفريقيا قد انتهى.
وأضاف أن فرنسا تتبنى اليوم رؤية “بان إفريقية” تعتبر القارة وحدة متكاملة تمتلك إمكانيات هائلة للنمو والابتكار.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تواجه فيه فرنسا تراجعاً ملحوظاً لنفوذها التقليدي في غرب إفريقيا، خاصة بعد سلسلة الانقلابات العسكرية التي شهدتها دول الساحل خلال السنوات الأخيرة، وما تبعها من تصاعد المشاعر المناهضة لباريس.
هل تنجح فرنسا في استعادة ثقة إفريقيا؟
رغم الخطاب الجديد الذي يحاول التركيز على “الاستثمار المتكافئ” و”الشراكة المتوازنة”، إلا أن العديد من المتابعين يرون أن نجاح فرنسا في استعادة ثقة الدول الإفريقية سيعتمد على مدى قدرتها على ترجمة هذه الوعود إلى مشاريع ملموسة تحقق التنمية وتخلق فرص العمل للشباب الإفريقي.
كما أن القارة الإفريقية أصبحت اليوم أكثر انفتاحاً على شركاء دوليين متعددين، ما يجعل المنافسة على النفوذ الاقتصادي والسياسي أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
ومع ذلك، تبدو قمة “أفريكا فوروارد 2026” محاولة فرنسية واضحة لفتح صفحة جديدة مع إفريقيا، قائمة على المصالح المشتركة، والاستثمار، والسيادة الاقتصادية، بدلاً من منطق المساعدات والهيمنة الذي طبع العلاقات بين الجانبين لعقود طويلة.