شهدت غينيا يوم الثلاثاء 11 نوفمبر 2025 حدثاً مفصلياً في تاريخ صناعتها التعدينية مع الإطلاق الرسمي لمرحلة استغلال مناجم الحديد في سيماندو، أحد أكبر مشاريع التعدين في القارة الإفريقية والعالم. جرت المراسم في ميناء موريابايا بمحافظة فوركارياه، بحضور رئيس المرحلة الانتقالية، الفريق مامادي دومبويا، إلى جانب رؤساء دول وشركاء دوليين وقيادات اقتصادية وعسكرية رفيعة المستوى. هذا الحدث لم يكن مجرد إعلان افتتاح، بل لحظة تعكس تحولاً استراتيجياً في مسار الاقتصاد الغيني.
مشروع بنية تحتية غير مسبوق في تاريخ غينيا
خلال كلمته، أكد مامودو ناننالين باري، رئيس مجلس إدارة شركة «الترانسغيني»، أن ما تحقق في موريابايا خلال ثلاث سنوات فقط هو إنجاز استثنائي. فقد تحولت منطقة كانت في السابق مستنقعات وغابات مهجورة إلى واحد من أكبر الموانئ المخصصة لتصدير الحديد في العالم، مدعومة بسكة حديد تمتد على أكثر من 650 كم، وبطاقة نقل تصل إلى 120 مليون طن سنوياً.
ويرى باري أن هذه البنى التحتية ليست سوى المرحلة الأولى، مشيراً إلى أن الخطوة المقبلة تتمثل في إنشاء وحدة لتحويل خام الحديد إلى فولاذ أو «بيليت» داخل غينيا، مع بدء دراسات الجدوى خلال العامين المقبلين. هذا التوجه يعكس رغبة سياسية واضحة في نقل البلاد من مجرد دولة مصدّرة للمواد الخام إلى دولة مصنّعة، وهو ما يعزز القيمة المضافة للاقتصاد الوطني.
رؤية اقتصادية جديدة: «جعل الغينيين أغنياء بالعمل»
من جانبه، أوضح جيبا دياكيتي، رئيس اللجنة الاستراتيجية لمشروع سيماندو ومدير ديوان الرئاسة، أن المشروع ليس مجرد عملية استخراج، بل «لبنة في بناء مستقبل البلاد». وركّز على ثلاث نقاط جوهرية في سياسات المحتوى المحلي:
- أولوية التوظيف للغينيين.
- تسريع نقل المهارات والتدريب التقني.
- إطلاق مبادرات تعليمية أبرزها «أكاديمية سيماندو».
ولم تكن الرمزية بعيدة عن هذا الحدث، حيث أُعلن أن أول قطار محمّل بخام الحديد يقوده سائقة غينية مدرّبة محلياً، في إشارة واضحة لنجاح سياسة نقل الخبرات.
شراكة دولية غير مسبوقة
يُعتبر سيماندو نموذجاً جديداً للتعاون الدولي، حيث يضم شركاء عالميين مثل ريو تينتو، تشاينالكو، باوو، وWCS، إلى جانب الدولة الغينية. وقد وصف الرئيس التنفيذي لشركة ريو تينتو، سايمون تروت، هذا التعاون بأنه «الأول من نوعه على مستوى العالم من حيث الحجم والسرعة والتنوع الثقافي».
وأشار إلى التزام شركته بالاستثمار طويل الأمد في غينيا، مؤكداً أن المشروع «أكثر من مجرد منجم، إنه محفز للتنمية الاقتصادية والاجتماعية».
منع تكرار «لعنة الموارد»
وفي سياق التحليل، يبدو أن السلطات الغينية تسعى إلى دمج مشروع سيماندو في رؤية تنموية شاملة تُعرف بـ«سيماندو 2040»، والتي تعتمد على خمسة أعمدة أساسية تشمل الزراعة، التعليم، الصناعات الغذائية، البنية التحتية، والتكنولوجيا.
الدولة تعتبر هذا المشروع بوابة للخروج من «لعنة الموارد الطبيعية»، عبر خلق قيمة مضافة محلية، وتنويع الاقتصاد، وتحويل العائدات التعدينية إلى تنمية بشرية فعلية.
رؤية الرئيس دومبويا: حماية مصالح الأجيال المقبلة
كشف دياكيتي عن توجيهات قال إنها كانت حاسمة في المفاوضات مع الشركاء الدوليين، حيث شدد الرئيس دومبويا على ضرورة احترام البيئة، وضمان مشاركة الدولة في ملكية المناجم والبنى التحتية، وعدم التسرع في اتخاذ القرارات على حساب مصلحة الأجيال القادمة. وقال في إحدى رسائله الداخلية: «إذا لم نضمن مصالح الغينيين، أوقفوا المشروع. لست مستعجلاً، وسيأتي رئيس آخر ليكمل المسار».
سيماندو… بداية مرحلة جديدة
مع انطلاق أول سفينة تحمل خام الحديد نحو الصين من ميناء موريابايا، تدخل غينيا مرحلة اقتصادية جديدة، قائمة على التعاون الدولي، المحتوى المحلي، وتعزيز دور الدولة في إدارة مواردها. وبين التفاؤل الشعبي والتحديات التقنية والبيئية، يظل مشروع سيماندو أحد أكبر الرهانات لتحقيق تحول اقتصادي شامل في البلاد.