غينيا بين المآسي الصامتة والمهازل الصاخبة: قراءة في خطاب كليفة غاساما ديابي حول أزمة القيم والسلطة

غينيا بين المآسي الصامتة والمهازل الصاخبة: قراءة في خطاب كليفة غاساما ديابي حول أزمة القيم والسلطة

في نصه القوِيّ والمعنون "‎‫غينيا، فوضى بين المآسي الصامتة والمهازل الصاخبة"، يقدّم كليفة غاساما ديابي قراءة نقدية مرّة لوضع غينيا الراهن: بلدٌ «تحكمه» المآسي التي لا تُسمع، والمهازل التي تُحتفى بها. ويستقي من مقولة الفيلسوف كارل ماكس الشهيرة «التاريخ يُعاد مرتين: مرة مأساة، ومرة مسخرة» ليصف ما آل إليه وضع البلاد: مأساة أولى وإنسانية مهشّمة، ومسخرة ثانية علنيّة.
هذا النص – بدرجة كبيرة – يعكس تراكمات سياسية واجتماعية في غينيا، ويحتوي دعوةً لإيقاظ الضمير الوطني وإعادة تأسيس الدولة والمجتمع على القيم. في هذا المقال، سنحلّل أبرز محاور هذا الخطاب، ونطرح كيف يمكن أن تؤثّر على المشهد الوطني، مع الإضاءة على ما يحمله من دلالات للنخب وللشعب الغيني.

التشخيص: «مآسي صامتة» و«مهازل صاخبة»

غاساما ديابي يبدأ من أنّ غينيا تعرف “سلسلة لا تنتهي من المآسي”، وهذا صحيح؛ فبمراجعة تقارير حقوق الإنسان نجد أنّ البلاد، رغم إنشاء وزارة الحقوق والحريات في 2012 بتعيينه وزيراً، لم تستطع كسر منطق الإفلات من العقاب أو تجاوز الانحرافات المؤسسية.
ثمّ ينتقل ليعرّف «المهازل» بأنها تلك الظواهر المكثّفة من الاحتفاء بالمنكر، وتحويل الضحية إلى المذنب، وتحويل الكذب إلى اشتغال إجتماعي رسميّ. ويُعبّر عن حيرة قائلاً بأن الضحايا “يُعتذرون” لكونهم ضحايا، بينما الكذب صار حقيقة اجتماعية معلنة.

من هذا المنظور، يمكن القول إن الخطاب يسعى إلى تفجير ما يُمكن تسميته «نقاب الصمت الاجتماعي»؛ ذلك أنّ المآسي – حالات الاختفاء، السجون السياسية، العنف – تحدث “في الخلفية”، بينما المهازل – من تزييف الحقيقة، وترويجها، وتحويلها إلى مهرجانات إعلامية أو سياسية – تحدث علناً، وكأنها العرض المركزي.
وهنا تحضر مقولة جيرج أورويل: “في هذه الأوقات العالمية من الخداع، قول الحقيقة هو فعْل ثوري.” ويقول غاساما: نعم نحن فيه.
النتيجة؟ المواطن يفقد الثقة، والنخب المسؤولة تتحول إلى جوقة تهلل للنظام بدل أن تكون ضميراً. والبلد يغرق بين جناحين من الإجرام: نسق العنف والقمع، ونسق المسرحية الهزلية التي تَعفي المتسببين وتُحميل الضحية ذنبها.

المسؤولية المؤسّسية والثقافية

يذهب الكاتب إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في التغيّرات الحكومية أو الأحزاب، بل في “نظامٌ” عمره أكثر من 60 عاماً، يُجبر الشعب على الخذلان الذاتي، ويُكرّس مقولة “الأقوى هو الذي له الحق”. ويشير إلى أن المشكلات ليست تقنية بحتة (بنية تحتية، تنمية) بل أخلاقية ومؤسّسية: غياب دولة القانون، تحيّز الإدارة، تسييس الوظيفة العموميّة، شيوع “الطاعة” بدل “الواجب” تجاه المواطن والحقّ.
هنا نرى تأكيداً على أن أي إصلاح تنموي لن ينجح ما لم يقترن بإصلاح أخلاقي وسياسي: “الدولة تحتاج إلى وحدة أخلاقية، وإدارة محايدة، وقانون يحكم الجميع”.
وبذلك، النصّ يوجّه سهام النقد ليس فقط للممسكين بالسلطة، وإنما أيضاً للنخب التي تحولت إلى “قديم النظام” أو أصبحت شاهدة صامتة على تردٍّ دائم.

الديمقراطية، الحقوق والحريات: شعار أم ممارسة؟

من المحاور الجوهرية في النص: أن الديمقراطية في غينيا أصبحت “شعار تسويقي”، يُرفع صباحاً ويُنسى مساءً. إذ يرى غاساما أن الكلمة تُستعمل في الحملات الإعلامية، بينما في الواقع يتم اختطاف المواطن، واعتقاله، وتغييب صوته، وإلغاء مساره. يُشير إلى أن “الديمقراطيين” في هذا البلد هم غالباً خارج النظام أو كانوا داخله ثمّ نسوا مبادئهم، لأن “المنظومة” تبتلع كل من يقترب منها.
الحرّية، العدالة، والمساواة – بحسبه – ليست مجرد كلمات، بل مسؤوليات. والمواطن الغيني عندما لا يُعامل كمساوٍ أمام القانون، عندما تُقمع حريّته السياسية أو التعبيرية، يكون معه فعلياً خارج نطاق الدولة الحقيقية.
ويُشدّد على أن استعادة تلك القيم ليس رفاهية بل ضرورة استراتيجية: “الديمقراطية لا تُدافع عنها لحظة فحسب، بل في كل زمان ومكان”.

دعوة إلى الشخص-القائد: رسالة إلى الجنرال المُمسك بالسلطة

في الجزء الأخير من الخطاب، يتوجّه غاساما مباشرة إلى “جنرالٌ رئيس” – في إشارة واضحة إلى مامادي دومبويا – بأن يقاوم إغراء البقاء في السلطة، ويحتكم إلى كلمته، وإلى مصلحته الحقيقية وللمصلحة العليا للبلد. وهو يقول: إذا قررتم البقاء، فلتتحمّلوا مسؤولية ذلك، لأن “العهد المكسور” لا يُنسى، والتاريخ لا يغفر.
بهذا، النص يحمل بعداً قنّاصاً نحو السلطة: إنه يقول ليس فقط “افعلوا ما يجب فعله” بل “امتنعوا عما لا يجب فعله”. فهو لا يكتفي بالنقد، بل يطرح مساراً عملياً: مغادرة السلطة إذا اقتضى الأمر، احترام القانون، ضمان حياد الإدارة، إطلاق المعتقلين السياسيين، احترام حرّية التعبير.
هنا تكمن ربانية الدعوة: ليس فقط إصلاحاً بل تحوّلاً أخلاقياً، قيادياً، وثقافياً.

دلالات على المشهد الغيني وما بعده

من هذا الخطاب يمكننا استخلاص عدّة دلالات أساسيّة للسياسيين، للمجتمع المدني، وللمواطن العادي في غينيا:

  1. الوعي بأن النظام ليس محصّنًا: القول بأن “النظام الذي عاش 60 عاماً على أنقاض الدولة الحقيقية، لا يمكن أن يستمر كما هو إلى الأبد”.
  2. ضرورة البناء من الأسفل: إصلاح الإدارة، التربية، الوظيفة العمومية، والمجتمع المدني ليست أموراً جانبيّة بل مركزية.
  3. الثقة بين المواطن والدولة: غيابها يؤدي إلى انهيار المشروع الوطني، وإلى فوضى تستبد فيها “الفوضى المُعلنة” عن “الدولة الحقيقية”.
  4. كتابة بديل أخلاقي-سياسي: ليس فقط عبر الانتخابات أو التشكيلات الحزبية، بل من خلال ثقافة الإخلاص، الشفافية، والمساءلة.
  5. الدور الحاسم للمجتمع المدني والنخب: لا يجوز أن تتحول إلى “شاهد صامت” أو مستفيد من المنظومة، بل يجب أن تكون “صوتاً ومُحاسِباً” مستقلّاً.

خاتمة

في نهاية المطاف، يقدم غاساما ديابي خطاباً جريئاً يحمل ثلاثة أبعاد: تشخيصاً صادماً، نقداً مؤثّراً، ودعوةً عاجلة. وقد كتب هذا الخطاب كي يُقرأ من السلطة والمجتمع معاً، كي يصبح “نقطة تحوّل” لا مجرد تأوِيل جديد.
إنّ وطننا الغيني، كما يقول، لا يحتاج فقط إلى مشاريع إسمنت وبِنى تحتية، بل إلى “شأن أخلاقي وسياسي” جديد: دولة يحكمها القانون، مجتمع يحرّره العلم والمعرفة، ومواطن يحميه كرامته قبل أن تطاله آلة القمع أو آلة المسرحية.

إذا ما التزمنا بهذه الرؤية، ربما نتمكّن من كسر دائرة “المأساة – المهازل” التي يقول إنها تكرّ كلما تغيّرت الوجوه والتفاصيل، لكن بقي الأساسُ ذاته.
وللقارئ الغيني والعربي، علينا أن نفهم أن التحدّي ليس فقط في “من يحكم”، بل في “كيف يُحكم” بـقِيَمٍ وعدالةٍ وحرية.

تصنيف الخبر

محلية ، رأي